الآلوسي
91
تفسير الآلوسي
للاستغراق ، والجار متعلق ب * ( رسولاً ) * قدم عليه للاختصاص الناظر إلى قيد العموم أي مرسلاً لكل الناس لا لبعضهم فقط كما زعموا ، و * ( رسولاً ) * حال مؤكدة لعاملها ، وجوز أن يتعلق الجار بما عنده ، وأن يتعلق بمحذوف وقع حالاً من * ( رسولاً ) * وجوز أيضاً أن يكون * ( رسولاً ) * مفعولاً مطلقاً إما على أنه مصدر كما في قوله : لقد كذب الواشون ما فهت عندهم * ( بشيء ) ولا أرسلتهم برسول وإما على أن الصفة قد تستعمل بمعنى المصدر مفعولاً مطلقاً كما استعمل الشاعر خارجاً بمعنى خروجاً في قوله : عليّ حلفة لا أشتم الدهر مسلما * ولا ( خارجاً ) من زور كلام حيث أراد كما قال سيبويه : ولا يخرج خروجاً * ( وَكَفَى بالله شَهيداً ) * على رسالتك أو على صدقك في جميع ما تدعيه حيث نصب المعجزات وأنزل الآيات البينات ، وقيل : المعنى كفى الله تعالى شهيداً على عباده بما يعملون من خير أو شر ، والالتفات لتربية المهابة . . * ( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ) * . * ( مِّن يُطع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) * بيان لأحكام رسالته صلى الله عليه وسلم إثر بيان تحققها ، وإنما كان كذلك لأن الآمر والناهي في الحقيقة هو الحق سبحانه ، والرسول إنما هو مبلغ للأمر والنهي فليس الطاعة له بالذات إنما هي لمن بلغ عنه . وفي بعض الآثار عن مقاتل " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : من أحبني فقد أحب الله تعالى ومن أطاعني فقد أطاع الله تعالى فقال المنافقون : ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل لقد قارف الشرك ، وهو نهى أن يعبد غير الله تعالى ما يريد إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى عليه السلام ؟ فنزلت " فالمراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وسلم ، والتعبير عنه بذلك ووضعه موضع المضمر للإشعار بالعلية ، وقيل : المراد به الجنس ويدخل فيه نبينا صلى الله عليه وسلم دخولاً أولياً ، ويأباه تخصيص الخطاب في قوله تعالى : * ( وَمَن تَوَلاى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفيظاً ) * وجعله من باب الخطاب لغير معين خلاف الظاهر ، و * ( مَنْ ) * شرطية وجواب الشرط محذوف ، والمذكور تعليل له قائم مقامه أي ومن أعرض عن الطاعة فأعرض عنه لأنا إنما أرسلناك رسولاً مبلغاً لا حفيظاً مهيمناً تحفظ أعمالهم عليهم وتحاسبهم عليها ، ونفي - كما قيل - كونه حفيظاً أي مبالغاً في الحفظ دون كونه حافظاً لأن الرسالة لا تنفك عن الحفظ لأن تبليغ الأحكام نوع حفظ عن المعاصي والآثام ، وانتصاب الوصف على الحالية من الكاف ، وجعله مفعولاً ثانياً لأرسلنا لتضمينه معنى جعلنا مما لا حاجة إليه ، و * ( عليهم ) * متعلق به وقدم رعاية للفاصلة ، وفي إفراد ضمير الرفع وجمع ضمير الجر مراعاة للفظ - من - ومعناها ، وفي العدول عن - ومن تولى فقد عصاه - الظاهر في المقابلة إلى ما ذكر ما لا يخفى من المبالغة . . * ( وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى باللَّهِ وَكِيلاً ) * . * ( وَيَقُولُونَ ) * الضمير للمنافقين كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن والسدي ، وقيل : للمسلمين الذين حكى عنهم أنهم يخشون الناس كخشية الله أي ويقولون إذا أمرتهم بشيء * ( طَاعَةٌ ) * أي أمرنا وشأننا طاعة على أنه خبر مبتدأ محذوف وجوباً ، وتقدير طاعتك طاعة خلاف الظاهر أو عندنا أو منا طاعة على أنه مبتدأ وخبره محذوف وكان أصله النصب كما يقول المحب : سمعناً وطاعة لكنه يجوز في مثله الرفع - كما صرح به سيبويه - للدلالة على أنه ثابت لهم قبل الجواب * ( فَإذَا بَرَزُواْ منْ عندكَ ) * أي خرجوا من مجلسك وفارقوك * ( بَيَّتَ طَآئِفَةٌ ) * أي جماعة * ( مِّنْهُمْ ) * وهم رؤساؤهم ، والتبييت إما من البيتوتة لأنه تدبير الفعل